الأربعاء، 22 أغسطس 2018

الاعترافات و.. ثقافة السلام

مجلة العربي، الأربعاء 1 ديسمبر 1999  23/8/1420هـ / العدد 493أعلنت الأمم المتحدة  سنة 2000 "سنة دولية لثقافة السلام واللا عنف", والاعترافات هي عماد هذه الثقافة, لأنها تعني بداية العملية العسيرة لنقد الذات.         الحديث عن القتل هل يمنع المزيد من القتل ويكرس السلام, وهل يمكن للحروب الأهلية, وقد حصدت, منذ نهاية الحرب العالمية الثانية, حوالي 7 ملايين ضحية, أن تنتهي إذا "اعترف" أبطالها وأمراؤها بالمجازر التي ارتكبها كل منهم, وكشف بالوثائق والتفاصيل, وأمام عدسات الشبكات المحلية والفضائية, كيف كان يذبح خصومه أو يبقر بطونهم, أو يقتل أطفالهم أمامهم?.
         ونسمي الأشياء بأسمائها: هل يمكن لأمراء الحرب في العراق عرباً وأكراداً, وفي لبنان مسلمين ومسيحيين, وفي السودان: شماليين وجنوبيين وفي الجزائر, عسكراً وإرهابيين, وفي بقع أخرى من هذا العالم العربي تختزن براكين عنف لما ينفجر بعد, أن تكرس "الاعترافات" ثقافة تنهل منها أجيال رضعت الحقد مع حليب أمهاتها, ونمت في ذاكرتها بذور الثأر والانتقام ترويها أباً عن جد, بانتظار تلبية نداءات الدم? اعترافات تكسر "شيفرة القتل" وتجمع القتلة والضحايا في صورة واحدة, وتكشف أن القاتل مجرم كما القتيل وأن كليهما ضحية ذاكرة تجول في عتمتها أشباح الشك والريبة ولا خيار إلا أن تكون قاتلاً أو مقتولاً?.         السؤال ليس نظرياً بالتأكيد, وحكومة جنوب إفريقيا, بقيادة حكيمها غير المنسي نلسون مانديلا, كانت الرائدة في هذه التجربة السياسية المثيرة, حيث أقامت, بعد انهيار الحكم العنصري, لجنة أطلقت عليها "لجنة الحقيقة وإعادة الوئام" بقيادة الأسقف الأسود "دزموند توتو", وقد وقف أمام اللجنة قادة النظام العنصري من الرئيس ديكليرك مروراً بقادة جهاز الاستخبارات وضباط الشرطة والأمن وصولاً إلى قادة وأفراد من جيش التحرير التابع لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي الحاكم بمن فيهم الزوجة السابقة للرئيس ويني مانديلا, كلهم أدلى باعترافات مفصلة, أمام الجميع, وروى تاريخ المذابح وتفاصيلها, وما صرخ به ضحاياها قبل موتتهم, ولم تكن تلك محاكمة لمجرمي الحرب على طريقة محكمة "نورمبورج" بعيد الحرب العالمية الثانية, بل كان الهدف الذي تسعى إليه اللجنة, كما هو واضح من التسمية التي حملتها هي أن تتجنب اندلاع حرب أهلية بين أقلية بيضاء لا تزيد على 11 بالمائة من عدد السكان وبين أغلبية سوداء تعرضت على يدي تلك الأقلية لأكثر أنواع القتل والقهر والاستعباد بشاعة.         وحتى الآن فإن الحرب لم تندلع, واللجنة تتابع عملها بنجاح فقد انخفض عدد القتلى السياسيين من 2500 قتيل في عام 1994, وهو العام الذي تسلم فيه مانديلا السلطة, إلى 500 قتيل في العام 1997 والرقم مازال صغيرا, بينما مدونة "الاعترافات" تزداد أوراقاً مع كل شاهد جديد يدخل المشهد.         الاعترافات هي التاريخ الحقيقي للشعوب, من دونها تكتب كل جماعة تاريخها, وتؤسس لحروب مقبلة, فيما بينها ومع الجوار, وهي الطريق إلى معرفة الآخر, تمهيداً للقبول به, والتعايش معه, بل ومحبته, وهل مثل الحب يدخل في أدق التفاصيل? أولا تقول العرب إن المرء عدو ما يجهل, ومن يجهل?.الدم وصابون القلوب         تقول العرب أيضاً "العتاب صابون القلوب", ومهمة الصابون هي التنظيف, تخرج القلوب من جداول العتاب نظيفة, وهي دعوة إلى أن يفتح كل طرف قلبه يكشف فيه للآخر عن هواجسه وظنونه يتخلص منها فإذا القلوب بعدها مفتوحة على اتساعها تفيض بالعافية ونبضات المستقبل.         ولكن المثل العربي يقتصر استخدامه على المحبين وأهل الجيرة والعشيرة ويتوقف عند حدود الدم, فالقاتل عندما يعترف بجريمته, وإن طوعا ورغبة, يزرع في صدور أهالي الضحية بذور الانتقام, ولعل الثأر هو أحد ابرز الصفات التي مازالت تمارسها المجتمعات العربية وبارتياح منذ أيام الجاهلية وحتى يومنا هذا.         أو هكذا تبدو الصورة التقليدية قياسا للسوابق. فالمصالحات العشائرية والعائلية, وهي الأكثر شيوعاً, تبدأ باللازمة المعروفة وهي "طي صفحة الماضي" أو بعبارة "ما فات... مات" وتقفل القلوب على جروح تغور في العتمة وتنزف بالكراهية, وتتبنى تقية "التكاذب المشترك" بانتظار اللحظة المناسبة لتطلق مخزون أجيال من الحقد الدفين, وتنفجر مذابح جديدة ومجازر أكثر هولاً مما سبقها لتنتهي بصلح يضيف إلى رصيد الحقد أجيالاً مازالت في أرحام أمهاتها وتنتظر الخروج لتثأر "!".         "ليست رمانة, بل قلوب ملآنة" بهذا يختصر المثل الشعبي الحروب, تنشب لأسباب تافهة, وهو اختصار بليغ.طائر يستصرخ الثأر         الحرب في البوسنة والهرسك وكوسوفا بدأت منذ 600 عام, الحرب اللبنانية, سواء كانت حرباً أهلية أو حرب الآخرين على أرض لبنان, بدأت منذ العام 19840 ـ 1960, الحرب الشاملة ضد الأكراد في العراق بدأت منذ أكثر من نصف قرن, الحرب في السودان, شمالاً وجنوباً, وبعدها الحرب في الجزائر, ربما تكون مستجدة ولكنها بالتأكيد تضع, مثل سواها, بيوض الحروب المقبلة, ليس لأن هذه الشعوب دموية بالفطرة بل لأن العيش المشترك, سواء كان طائفياً أو عرقياً أو عقائديا لا يمكن أن يقوم على شعار "ما فات مات" لأن ما فات حي يرزق ويتناسل في ذاكرة الأجيال, ولعل نظرة نلقيها على الكتب التي صدرت عن تلك الحروب تكشف كيف أن كل فريق قد زعم لنفسه الحقيقة المطلقة, يورثها لأبنائه من بعده, أما إذا تحدث عن مجازر ضد خصومه فهي من نوع "رد الصاع صاعين" والدفاع عن النفس, وصيانة العرض والذود عن الحمى, وهي بطولات تسجل له لا عليه, وقدوة للأجيال المقبلة.         ما مضى لا يموت بل يتحول إلى صدى و"الصدى طائر يستصرخ الثأر" كما تقول العرب.الوزير يعترف         "الاعترافات" الفردية هي الأكثر شعبية في الغرب اليوم, يسمونها "مذكرات" أحيانا, والإقبال عليها مازال يتزايد منذ اعترافات جان جاك روسو.         ولعل الملك الراحل الحسن الثاني هو الوحيد من بين الزعماء العرب الذي نشر مذكراته في خلال حياته, واعترف في الجزء الثاني من "مذكرات مَلِكْ" ـ صدر في العام 1993 ـ أن 60 بالمائة من القرارات التي اتخذها كانت خاطئة. وهو اعتراف نادر في سياق أنظمة يتصرف فيها حتى الوزراء باعتبارهم معصومين عن الخطأ, ويروي رئيس تحرير مجلة عربية تصدر في الخليج أن المجلة وضعت بابا مخصصا للمسئولين تحت عنوان "أخطأت و... أعتذر" وكان هذا الباب مفتوحا محلياً وعربياً ودولياً "ولكن المجلة أقفلت الباب بعد شهر, يقول رئيس التحرير, لأن متابعة الصحف والمجلات وشبكات الإذاعة والتلفزيون على اتساع العالم العربي ولمدة 30 يوماً لم تكشف عن مسئول واحد اعترف بأنه أخطأ, وأنه يعتذر عن هذا الخطأ".         وهذه العصمة لا تقتصر على الحاضر فقط, ونظرة تلقيها على كتاب التاريخ تكشف عن سلالات من القادة المعصومين يفيضون بالحكمة والشجاعة, وتتركنا حائرين في سر تخلفنا بعد أن توفر لنا ما تحسدنا عليه أمم في الأرض يحكمها بشر يصيبون ويخطئون ويعترفون.من يوقف المذابح         ورد في إحصائية نشرتها مجلة "إيكونوميست" قبل أسابيع, لمناسبة الألفية الثالثة, ودخول العالم القرن الواحد والعشرين أن 30 مليون إنسان حصدتهم الحروب خلال هذا القرن, وأن "170" مليوناً آخرين من المدنيين قتلوا على أيدي حكوماتهم, وأن 7 ملايين مدني سقطوا في حروب أهلية, وقعت معظمها في العقود الأخيرة من هذا القرن, ولعل أكثرها بشاعة هي حرب قبائل التوتسي والهوتو في بوروندي ورواندا وقد حصدت مليون ضحية قتل معظمهم بسكاكين الحصاد, قطعا للرءوس, والأطراف وبتراً للبطون وفي خلال فترة قياسية.         يقول تقرير نشرته صحيفة "هيرالد تريبيون الدولية" إن إيقاع طبول الحرب بدأ يقترب مجدداً من عاصمة بوروندي "دي جامبورا" بعد سنتين من الهدوء النسبي, فقد قتل 25 شخصاً من التوتسي على أيدي المتمردين الهوتو قرب العاصمة وبدأت الناس تشعر بالقشعريرة وهي تسترجع ذكريات الحرب وقد وقعت بين أعوام 1993 و1997, وسقط فيها 200 ألف قتيل من البورونديين, فهل تستكين البلاد مجدداً بين أيدي الجزارين من كلتا القبيلتين, تعمل فيها السكاكين الطويلة ذبحاً حتى آخر طفل?.         "لا" كبيرة وملونة قالها اثنان من الإعلاميين وبطريقة فذة, الأمريكي بريان رايش والبوروندي من قبيلة التوتسي ألكسي سيندوهيجي, وأنجز هذان الإعلاميان عملاً أذهل الجميع, بمن فيهم الرئيس البوروندي بيار بويويا, وما فعله بريان أليكسي هو أنهما قاما بتسجيل 40 ساعة من الاعترافات على أشرطة فيديو, أبطال هذه الاعترافات كانوا أربعة فقط: اثنين من الهوتو واثنين من التوتسي, ثم انضم إليهم آخرون, وجميعهم شارك في القتل, وقاد كل منهم عدسة الكاميرا إلى قبور جماعية, أحدها يضم 200 جثة "بينهم واحد من أعز أصدقائي" يقول كلود أحد المعترفين. ومن قتله? أنا قتلته, ويروي: كنا عصابة صغيرة من التوتسي عندما وقع الباص بين أيدينا, كان جميع الركاب من الهوتو, ولم نضيع الفرصة, وشاهدت وجه صديق طفولتي, كان معهم في الباص, اندفع نحوي, وعندما شاهد السكين الطويلة في يدي صرخ: حتى أنت يا كلود? كان مذهولاً, ثم بدأ يصرخ متحدياً: هيا اقتلني, إن كنت تجرؤ, ودفعت السكين في بطنه فانفجر مثل اطار".مناخ القتل         قانون الثأر يحكم بوروندي, مع ذلك فإن أحداً من هؤلاء الأبطال لا يريد تمويه وجهه أمام الكاميرا "نريدهم أن يعرفوا أن هذا ما حدث, أنت تشعر بالكره لشخص ينظر إليك ويرفض أن يتحدث معك, ولكن ما إن يبدأ الكلام حتى تبدأ موجة الكره تنحسر, أنت تقبله" يقول كلستاين, وهو أمير حرب.         "كسر الشيفرة" هو العنوان الذي اختاره الإعلاميان للفيلم الوثائقي, ولم يصدق الرئيس البوروندي بيار بويويا عندما سمع عن الفيلم أن هناك أشخاصاً حقيقيين يمكن أن يظهروا بوجوههم أمام الكاميرا وأن يتحدثوا عن تلك الفظائع, يقول: إن لدينا نوعاً من التضامن السلبي داخل الأسرة, داخل العشيرة والقبيلة, إن لدينا الرغبة المشتركة في التغطية على سيئاتنا وخطايانا".         بينما يضيف أليسون دي فورغ, وهو أحد مراقبي حقوق الإنسان ويعمل لمنظمة قاعدتها في نيويورك: عندما يتحدث أشخاص قاموا بارتكاب المجازر فعلاً ويطلبون وقف القتل فإنهم يعرفون تماما عمّا يتحدثون, وهي فكرة ثورية فذة.         يقول التقرير المصور إن الهدف هو البحث عن جذور العنف وآلية انفجاره تمهيداً لاقتلاع تلك الجذور, والعبارة التي تتكرر على ألسنة المتطوعين من المشاركين في الحرب هي "مناخ القتل", وفي حالة بوروندي فإن المناخ كان جاهزاً ومتوافراً باستمرار: الأقلية من التوتسي تحكم بقوة الجيش وقلة من القبيلة, وفي العام 1972 عندما بدأت أغلبية الهوتو تتمرد قام الجيش بقتل ما يتراوح بين 100 إلى 200 ألف من أفراد الهوتو.         ولكن في أكتوبر العام 1993 ولأول مرة في تاريخ البلاد تسلم ميليشر داداي رئاسة الجمهورية وهو من الهوتو, فقام التوتسي باغتياله, يقول جان وهو من قبيلة الهوتو "كنت في المدرسة عندما سمعت بالاغتيال, كنت أعرف ما جرى عام 1972 وشعرت بالرعب, قلت إنهم سوف يذبحوننا مجدداً, هربت من المدرسة إلى الادغال, والتحقت بالمقاومة المسلحة وبدأت أقتل...".         وقد نجح الفيلم الوثائقي باعترافاته المرعبة والواقعية في إطلاق حركة جماهيرية في العاصمة, بدأت تنتشر في الأقاليم, هدفها كسر الشيفرة وتغيير مناخ القتل كي يتمكن أطفال بوروندي من العيش بسلام.       وعندما يحدث هذا في إفريقيا بالذات نتفاءل, ونحن نتطلع إلى سنة ألفين "سنة دولية لثقافة السلام واللا عنف".x
x
x
x


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق